شمسة الريامية
تفاجأ المجتمع العُماني بالأرقام المعلنة مؤخرًا حول حالات التحرش بالأطفال، والتي تجاوزت 1200 حالة، لتفتح بابًا واسعًا من التساؤلات والقلق: هل نحن أمام ظاهرة متنامية؟ أم أن الكشف والإبلاغ أصبح أكثر وضوحًا وجرأة؟، وهل وسائل التواصل الاجتماعي هي المساحة التي تتسرب منها الخيوط الأولى للخطر، أم أن المشكلة أعمق من ذلك وتمتد إلى غياب الرقابة، وضعف التوعية، وكسر حلقات الحوار داخل الأسرة؟
في زمن أصبحت فيه الشاشات رفيقًا يوميًا للأطفال، ومنصات ألعاب، غرف دردشة، وتطبيقات تواصل تحوّل الإنترنت إلى مساحة واسعة يختلط فيها المألوف بالغريب، والآمن بالخطر. هناك؛ حيث يختبئ البعض خلف حسابات مجهولة، يجد المتربصون طريقهم إلى الأطفال عبر رسائل خاصة، كلمات لطيفة، أو تواصل يبدو بريئًا في بدايته. ومع غياب الرقابة الأبوية أو انشغال الأهل، يصبح الطفل أكثر عرضة لاختراق الدائرة التي يفترض أن تبقى آمنة.
وما يفاقم المشهد أن كثيرًا من الأطفال ينشرون صورهم أو مقاطعهم المصورة دون وعي بخطر مشاركة هذه التفاصيل في فضاء مفتوح، بينما تسمح بعض الألعاب الإلكترونية بالتواصل المباشر، ما قد يمنح ذوي النوايا السيئة فرصة للتسلل، والتلاعب، واستغلال الشعور بالوحدة أو الرغبة في الاهتمام.
لكن القصة لا تبدأ في العالم الرقمي فقط، فهناك جذور أعمق لهذا السلوك المنحرف، ضعف احترام الذات لدى المتحرش، الرغبة في السيطرة والإيذاء، نشأة في بيئة تتسامح مع السلوك غير المحترم، غياب القدوة الإيجابية، وثقافة تلوم الضحية وتهاون مع المساءلة، هذه كلها عوامل تشكّل الدائرة التي تسمح للسلوك المنحرف بأن يتكرر، ويُخفي نفسه، ويمتد بصمت.
ومع ذلك، فإنَّ مواجهة الظاهرة ليست مهمة مستحيلة، بل يُمكن للمجتمع بكل مؤسساته وأسرة أن يضع سياجًا يحمي الأطفال إذا توفرت الإرادة والوعي والأنظمة الصارمة.
الحماية تبدأ بتعزيز القوانين وتطبيقها بحزم، لأن الردع القانوني الواضح يقطع الطريق على من يحاول استغلال ضعف الطفل. كما تحتاج المدارس والجامعات إلى برامج توعوية مستمرة تُعلّم الأطفال كيف يميزون السلوك الخطر، وكيف يطلبون المساعدة دون خوف أو خجل.
ومن المهم أيضًا أن ينشأ الطفل على فهم الحدود الشخصية، وأن يتعلم أن يقول "لا" لكل سلوك يزعجه أو يربكه، وأن يشعر بثقة كافية ليُبلغ والديه أو معلمه أو أي جهة مسؤولة في حال تعرضه لأي موقف غير مريح.
كما ينبغي دعم الضحايا نفسيًا واجتماعيًا وتشجيعهم على الإبلاغ، فالصمت هو البيئة الأكثر ملاءمة لاستمرار الجريمة. وفي جانب المؤسسات، يجب تدريب الموظفين في الجهات الحكومية والخاصة على سياسات منع التحرش، وكيفية اكتشاف الإشارات المبكرة والتحرك سريعًا لحماية الطفل.
إنَّ حماية الأطفال ليست مسؤولية فردية، بل مسؤولية مجتمع كامل، وكل طفل يتعرض للأذى هو خسارة لنا جميعًا، خسارة براءة، وثقة، ومستقبل. لذلك، فإن فتح النقاش، وكسر الصمت، ورفع الوعي، وتفعيل القانون ليست خيارات؛ بل ضرورة تحتاجها كل أسرة، وكل مدرسة، وكل مؤسسة، لأن الطفل الذي نحميه اليوم هو الإنسان الذي سيبني الغد.
